مجموعة مؤلفين

61

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

وما تورق به من قربات المقربين ، ومقامات المتقين ، ومنازلات الصديقين ، ومناجاة العارفين ، ومشاهدات المحبين ، كل ذلك من ثمرها الذي أثمرت ، وطلعها الذي أطلعت : فأول ما أنبتت هذه الشجرة التي هي حبة كن ثلاثة أغصان : غصن ذات اليمين ، فهم أصحاب اليمين ، واخر غصن منها ذات الشمال ، ونبت غصن منها معتدل القامة على سبيل الاستقامة فكان منه السابقون المقربون . فلما ثبت واستعلى جاء من فرعها الأعلى ، وجاء من فرعها الأدنى ، عالم الصورة والمعنى : فما كان من قشورها الظاهرة ، وستورها البارزة ، فهو عالم الملك ، وما كان من قلوبها الباطنة ، ولباب معانيها الخافية ، فهو عالم الملكوت ، وما كان من الماء الجاري في شريانات عروقها ، الذي حصل به نموها ، وحياتها وسموها ، وبه طلعت أزهارها ، وأينعت ثمارها ، فهو عالم الجبروت ، الذي هو سر كلمة « كن » . ثم أحاط بالشجرة حائط ، وحد لها حدود ، ورسم لها رسوم : فحدودها الجهات ، وهن العلو والسفل ، واليمين والشمال ، ووراء وأمام ؛ فما كان أعلى فهو حدها الأعلى ، وما كان أسفل فهو حدها الأسفل ، وأما رسومها وما فيها من الأفلاك والأجرام والأملاك والأحكام والآثار والأعلام ، فجعل السبع الطباق ، بمنزلة ما يستظل به من الأوراق ، وجعل الكواكب في الإشراق ، بمنزلة الأزهار في الآفاق . وجعل الليل والنهار بمنزلة رداءين مختلفين : أحدهما أسود يرتدى به ليحتجب عن الأبصار ، والآخر أبيض يرتدى به ليتجلى على ذوات الاستبصار . وجعل العرش بمنزلة بيت مال هذه الشجرة ، وخزانة سلاحها ، فمنه يستمد ما فيه صلاحها ، وفيه سواس هذه الشجرة وخدمها « وترى الملائكة حافين من حول العرش » ، إليه يتوجهون ، وعليه يعولون ، وحوله يحومون ، وبه يطوفون ، وحيثما كانوا فإليه يشيرون ؛ فمتى حدث في الشجرة حادثة ، أو نزل بشئ منها نازلة ، رفعوا أيدي المسألة والتضرع إلى جهة عرشه ، يطلبون الشفاء ، ويستعفون عن الخطأ ، لأن موجد هذه الشجرة لا جهة إليه ليشار إليها ، ولا إننية